لم تعد غزة بحاجة إلى مزيد من الكلمات التي تصف حجم المأساة؛ فالركام يتحدث، والبيوت المهدمة تتحدث، والمستشفيات التي أنهكها النزوح والدمار تتحدث، والأطفال الذين فقدوا آباءهم وأطرافهم ومستقبلهم يتحدثون بصمت أكثر قسوة من كل الخطب.
لقد تحولت الكارثة في قطاع غزة إلى أزمة مركبة، لا يمكن اختزالها في الحرب والدمار وحدهما. فآثار السنوات الماضية امتدت إلى الصحة والتعليم والاقتصاد والسكن والبنية التحتية والنسيج الاجتماعي والحالة النفسية لجيل كامل. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى حجم هائل من الخسائر البشرية والإصابات، فيما لا تزال مناطق واسعة تعاني من قيود شديدة على الوصول والخدمات الأساسية.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس فقط: كيف وصلت غزة إلى هذه الكارثة؟
بل: كيف يمكن إخراج أكثر من مليوني إنسان من هذا الجحيم؟
لا يمكن بناء بيت فوق أرض غير آمنة، ولا يمكن إعادة إعمار مدرسة بينما لا يزال الطفل يعيش الخوف، ولا يمكن الحديث عن اقتصاد منتج فيما لا يستطيع الإنسان الحصول على الماء والدواء والغذاء.
لذلك فإن الخطوة الأولى لأي حل جدي يجب أن تكون تثبيت الأمن ووقف الأعمال العسكرية التي تهدد حياة المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة وآمنة، وفتح المجال أمام المؤسسات الطبية والإنسانية للعمل دون عوائق.
إنقاذ الإنسان يجب أن يسبق إعادة بناء الحجر.
المساعدات الإنسانية ضرورية، لكنها ليست حلًا دائمًا.
غزة تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد التعافي؛ من انتظار شاحنات المساعدات إلى إعادة تشغيل الأسواق والمصانع والمزارع وورش العمل، ومن الاعتماد على المعونات إلى خلق فرص عمل ودخل مستدام.
وهذا يتطلب خطة دولية وفلسطينية واضحة لإعادة بناء البنية التحتية، تشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والمساكن والمستشفيات والمدارس.
لكن إعادة الإعمار يجب ألا تكون مجرد إعادة لما كان قائمًا قبل الحرب؛ فالهدف ينبغي أن يكون بناء غزة أكثر قدرة على الصمود، وأكثر ارتباطًا بالاقتصاد الفلسطيني والإقليمي، وأكثر قدرة على توفير حياة كريمة لسكانها.
أخطر ما خلفته الحرب ليس الركام وحده، بل الإنسان الذي يعيش داخله.
هناك آلاف الجرحى والمصابين الذين يحتاجون إلى عمليات وتأهيل طويل الأمد، وأطفال فقدوا أطرافهم أو والديهم أو منازلهم، وأجيال كاملة عاشت سنوات من الخوف والنزوح. وتشير تقديرات منشورة إلى أعداد كبيرة من المصابين الذين يحتاجون إلى إعادة تأهيل، بما في ذلك حالات بتر وإصابات عصبية وفقدان للبصر.
ولهذا فإن أي خطة لإنقاذ غزة يجب أن تتضمن برنامجًا وطنيًا ودوليًا واسعًا للتأهيل الطبي والنفسي والاجتماعي.
فالطفل الذي فقد ذراعه لا يحتاج إلى طرف صناعي فقط؛ يحتاج إلى مدرسة آمنة، ومختص نفسي، ومجتمع يحتضنه، وفرصة ليشعر بأنه طفل كامل الحقوق لا مجرد “ضحية حرب”.
قد يكون تدمير مدرسة أسهل من إعادة بناء مجتمع، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة هو أن يتحول جيل كامل إلى جيل بلا تعليم.
لذلك يجب أن تكون المدارس والجامعات في مقدمة أولويات إعادة الإعمار. ويمكن البدء بمدارس مؤقتة ومساحات تعليمية بديلة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى بناء منظومة تعليمية حديثة.
الأمر لا يتعلق بالكتب والمقاعد فقط؛ بل بإعادة الطفل إلى الحياة الطبيعية، ومنحه مساحة للعب والتعلم والحلم.
فغزة لن تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالعقول التي ستعيد بناءها.
لا يمكن أن تكون غزة مشروعًا دائمًا لإدارة الكارثة.
تحتاج المرحلة المقبلة إلى مؤسسات فلسطينية تحظى بالثقة والشرعية، وتعمل وفق قواعد واضحة من الشفافية والمساءلة، بعيدًا عن منطق الفصائلية والانقسام.
إن إعادة بناء غزة تتطلب إدارة مدنية كفؤة، قادرة على إدارة الأموال والمساعدات والإعمار، وتخضع للرقابة والمحاسبة، وتضع المواطن قبل التنظيم والحزب والفصيل.
والأهم أن يشعر المواطن الفلسطيني أن صوته وحقوقه وحياته ليست أوراقًا في صراع سياسي أكبر منه.
أموال إعادة الإعمار ستكون ضخمة، والمخاطر ستكون أكبر.
لذلك يجب إنشاء آلية شفافة ومستقلة لإدارة أموال الإعمار، مع نشر البيانات والعقود والمشاريع للرأي العام، وإخضاعها لتدقيق فلسطيني ودولي.
غزة لا تحتمل أن تتحول كارثتها إلى سوق جديدة للفساد والمحسوبية.
فالمال الذي يأتي لإعادة بناء بيت مهدّم يجب أن يصل إلى البيت، والمال المخصص لعلاج جريح يجب أن يصل إلى الجريح، والمال المخصص لبناء مدرسة يجب أن يتحول إلى مدرسة.
حتى لو أُعيد بناء آلاف البيوت، فإن المشكلة ستعود إذا بقيت غزة محاصرة سياسيًا واقتصاديًا، وإذا بقي الفلسطينيون بلا أفق واضح لإنهاء الصراع وتحقيق حقوقهم الوطنية.
الإعمار الحقيقي يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح بحرية الحركة والتجارة والاستثمار، وتمنح الفلسطينيين أفقًا للعيش الطبيعي، لا مجرد البقاء على قيد الحياة.
فالإنسان لا يريد أن يعيش على المساعدات إلى الأبد؛ يريد أن يعمل، وأن يتعلم، وأن يسافر، وأن يبني بيتًا، وأن يخطط لمستقبل أبنائه.
ربما آن الأوان لأن يتغير السؤال من: كيف نساعد غزة على البقاء؟ إلى: كيف نساعد أهل غزة على استعادة حياتهم؟
هناك فرق هائل بين الاثنين.
البقاء يعني أن يحصل الإنسان على كيس طحين وخيمة وعبوة ماء.
أما الحياة فتعني بيتًا آمنًا، ومدرسة، ومستشفى، وعملًا، وكرامة، وحرية حركة، ومؤسسات تحميه، ومستقبلًا يستطيع أن يخطط له.
غزة اليوم أمام مهمة تاريخية هائلة: أن تتحول من مساحة منكوبة إلى مجتمع قادر على التعافي.
وهذا لن يحدث بقرار واحد، ولا بمؤتمر مانحين واحد، ولا بمليارات الدولارات وحدها.
إنه يحتاج إلى وقف النزيف، وإعادة بناء الإنسان، وإصلاح المؤسسات، وإعادة إعمار البنية التحتية، وإنعاش الاقتصاد، وإنهاء الانقسام، وخلق أفق سياسي حقيقي.
لقد دُمرت أشياء كثيرة في غزة، لكن أخطر ما يمكن أن يُدمّر هو الإيمان بإمكانية المستقبل.
ومن هنا تبدأ معركة أخرى؛ ليست معركة السلاح، وإنما معركة إعادة بناء الإنسان.
فغزة لا تحتاج فقط إلى من يرفع عنها الركام، بل إلى مشروع يعيد إليها الحياة.
آدم المدهون