كشف تحقيق أجرته وكالة “أسوشيتد برس” عن توسع ملحوظ في عمليات تهريب السلع إلى قطاع غزة، في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول العديد من المواد، مشيرًا إلى تداول ملايين الدولارات ضمن هذه الأنشطة، ودفع مبالغ مالية لجنود إسرائيليين ووسطاء وسائقين وعمال مستودعات على جانبي الحدود.
وبحسب التحقيق، الذي استند إلى وثائق قضائية ومقابلات مع تجار وسائقي شاحنات ومسؤولين وسكان في قطاع غزة، تشمل السلع المهربة الأغذية والأدوية والمعدات الطبية والوقود والبطاريات والألواح الشمسية والهواتف المحمولة، إلى جانب السجائر والتبغ، التي تعد من أكثر السلع تحقيقًا للأرباح.
وأوضح التحقيق أن بعض مستشفيات غزة اضطرت إلى الاعتماد على شبكات التهريب لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، فيما لجأت جهات حكومية إلى هذه القنوات للحصول على الوقود وقطع غيار مركبات الدفاع المدني والمولدات، في ظل القيود على إدخال العديد من السلع.
ووفق التحقيق، تصنف إسرائيل نحو 150 فئة من السلع ضمن قائمة “الاستخدام المزدوج”، ومن بينها الإسمنت والأسفلت والأنابيب الفولاذية والألواح الخشبية، بحجة إمكانية استخدامها في أغراض عسكرية.
وتقول السلطات الإسرائيلية إنها تسمح في حالات محددة بإدخال بعض المواد المصنفة ضمن هذه الفئة، من بينها المولدات وأجهزة الأشعة السينية، لكن تحت رقابة وإجراءات مشددة.
وأشار التحقيق إلى أن عددًا من كبار التجار في غزة يعتمدون على وسطاء فلسطينيين وإسرائيليين للحصول على السلع التي يصعب إدخالها عبر القنوات الرسمية، وترتيب طرق نقلها إلى القطاع.
وتدخل غالبية الشحنات التجارية والمساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، فيما أفادت مصادر تحدثت إلى الوكالة بأن بعض المهربين يدفعون رشى لجنود إسرائيليين لتسهيل مرور الشحنات، أو يستعينون بمركبات عسكرية لنقل البضائع إلى غزة.
وبحسب تقديرات عدد من كبار التجار، أصبحت عمليات التهريب تمثل أكثر من نصف نشاطهم التجاري، فيما قد تتجاوز حصتها 70% من الأرباح.
وقال أحد التجار إن تكاليف هذه العمليات تشمل دفع أموال للسائقين وعمال المستودعات ووسطاء وأطراف أخرى، وهي تكاليف تنعكس في النهاية على أسعار السلع التي يدفعها المستهلكون في غزة.
وأدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار عدد من المواد؛ إذ تجاوز سعر بطارية المركبات 2300 دولار، مقارنة بنحو 140 دولارًا قبل الحرب، فيما ارتفع سعر الألواح الشمسية إلى نحو 3.25 دولارات للواط مقابل 16 سنتًا قبل الحرب.
وتتصدر السجائر والتبغ قائمة السلع الأكثر ربحية في عمليات التهريب، حيث بلغ سعر علبة السجائر في غزة نحو 140 دولارًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما تجاوز سعرها ألف دولار خلال ذروة الحصار الإسرائيلي.
وكشف التحقيق عن أساليب متعددة لإخفاء شحنات السجائر، شملت نقل آلاف العلب داخل مركبات عسكرية إسرائيلية وشاحنات تجارية وشحنات مساعدات، بل وإخفاء بعضها داخل ثمار أناناس جرى تفريغها من الداخل.
وأظهرت وثائق قضائية إسرائيلية، وفق “أسوشيتد برس”، تفكيك عدة شبكات تهريب منذ أواخر عام 2025، وتوجيه اتهامات إلى أكثر من عشرة أشخاص، بينهم جنود احتياط خدموا في قطاع غزة.
وفي إحدى القضايا، اتهم الادعاء الإسرائيلي شبكة بتهريب آلاف علب السجائر وأجهزة “آيفون” ومعدات طبية إلى القطاع، بعد دفع رشى لجنود احتياط.
وتتهم لوائح الاتهام جنديًا يدعى بتسلئيل زيني بالمشاركة في تهريب ثلاث شحنات من السجائر مقابل نحو 120 ألف دولار، فيما تشير وثائق القضية إلى أن جنديين آخرين نفذا أربع رحلات إلى غزة خلال يوم واحد، ونقلا خلالها نحو 20 ألف علبة سجائر ومئات أجهزة “آيفون” ومعدات طبية.
وتشير وثائق المحكمة إلى أن ملايين الدولارات كانت تتداول داخل شبكات التهريب، إذ حقق متهمون في إحدى القضايا نحو 2.2 مليون دولار من عمليات جرت بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، فيما يُتهم آخرون بتحقيق أرباح تراوحت بين مليون وثلاثة ملايين دولار.
وأشار التحقيق، نقلاً عن تجار ومسؤولين فلسطينيين، إلى أن الحكومة التي تديرها حركة حماس في قطاع غزة تحصل بدورها على جزء من عائدات السلع المهربة عبر اقتطاع نسبة من قيمتها.
وقال محمد برْبخ، من وزارة الاقتصاد في غزة، إن الحكومة تحصل على ما يصل إلى 20% من قيمة السلع المهربة إذا أبلغ التاجر السلطات عنها، فيما ترتفع النسبة إلى 80% في حال عدم الإبلاغ عنها واكتشافها من قبل السلطات.
وأوضح مسؤولان في إدارة حماس أن هذه الأموال تستخدم للمساعدة في تمويل الخدمات العامة ودفع رواتب العاملين في الجهاز المدني والشرطة، وقدّرا إجمالي الإيرادات المحصلة من السلع المهربة منذ وقف إطلاق النار بنحو 100 مليون دولار.
وفي المقابل، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن الأموال المحصلة لا تذهب إلى الجناح العسكري لحماس، وإنما تُستخدم في تقديم الخدمات وضمان استمرار عمل المرافق العامة.
وقال الجيش الإسرائيلي، ردًا على أسئلة وكالة “أسوشيتد برس”، إنه يتعامل مع عمليات التهريب “بمنتهى الجدية”، مؤكدًا أنه يعمل على منعها، وأن أي حالات يُشتبه في تورط أفراد من الجيش فيها تخضع للفحص وفقًا للقانون.
ولم يقدم الجيش تفاصيل بشأن ما ورد في التحقيق حول دور جنود إسرائيليين أو جهات حكومية في غزة في عمليات التهريب.
وتناولت وثائق قضائية أيضًا قضية مهرب يُعرف باسم “أبو باسل”، وصفه مسؤول في غرفة تجارة غزة بأنه شخصية ذات نفوذ واسع، بينما أشارت وثائق الادعاء الإسرائيلي إلى امتلاكه علاقات داخل الشرطة الإسرائيلية.
وبحسب الوثائق، أوقفت الشرطة الإسرائيلية في إحدى المرات مداهمة مستودع في مستوطنة بالضفة الغربية، كان يضم هواتف وسجائر معدة للتهريب إلى غزة، قبل أن تنسحب القوة عقب اتصال أحد المهربين بـ”أبو باسل”.
وقال سكان في قطاع غزة إن القيود المفروضة على إدخال السلع، إلى جانب استمرار النقص الحاد في المواد الأساسية، جعلت الحصول على الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة، ودفعت الأسعار إلى مستويات قياسية.
ووفق التحقيق، ارتفع سعر المراوح من نحو 100 دولار قبل الحرب إلى قرابة 500 دولار، فيما يعزو التجار صعوبة استيراد بعض الأنواع إلى رفض إسرائيل إدخالها باعتبارها من السلع المصنفة “مزدوجة الاستخدام”.
وقال أحد سكان القطاع إن تجارة التهريب شهدت ازدهارًا كبيرًا منذ النصف الثاني من عام 2024، مع بدء جفاف الأسواق، مشيرًا إلى أن عمليات التهريب شملت مواد غذائية أساسية وحليب الأطفال وأغذية الحيوانات الأليفة.
وخلص تحقيق “أسوشيتد برس” إلى أن القيود المفروضة على دخول السلع إلى قطاع غزة أسهمت في نشوء سوق تهريب واسعة النطاق، تحولت إلى مصدر دخل رئيسي لبعض التجار والوسطاء، في وقت يتحمل فيه سكان القطاع أسعارًا مرتفعة للحصول على السلع الأساسية والاحتياجات الضرورية.