قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، اليوم الخميس 20 أغسطس/آب 2026، إن تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية أدى بشكل متزايد إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا من مناطق سكنهم، محذرة من أن عشرات القرى والتجمعات الفلسطينية باتت مهددة بالمحو نتيجة استمرار هذه الاعتداءات.
وأوضحت المنظمة، في بيان، أن عنف المستوطنين أدى منذ يناير/كانون الثاني 2023 إلى تهجير سكان 107 قرى وبلدات فلسطينية بشكل كلي أو جزئي، فيما بلغ عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للتهجير نحو 5900 شخص.
وأضافت أن 15 فلسطينيًا، بينهم طفلان، استشهدوا برصاص المستوطنين منذ بداية عام 2026 وحتى 24 يوليو/تموز الماضي، مشيرة إلى تصاعد وتيرة الاعتداءات، خصوصًا خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان.
وبحسب المنظمة، شملت الهجمات عمليات قتل واعتداءات جسدية وعنفًا جنسيًا وانتهاكات نفسية واحتجازًا تعسفيًا، إلى جانب إحراق الممتلكات وتدميرها وسرقتها.
وقالت “هيومن رايتس ووتش” إن تحقيقًا أجرته خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين وثّق هجمات للمستوطنين في سبعة تجمعات فلسطينية، هي المغيّر ومخماس والطيبة في محافظة رام الله والبيرة، وجالود وقريوت في محافظة نابلس، وخربة حمصة والمعرّجات في الأغوار.
وأشارت إلى أن المستوطنين استهدفوا الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفي بعض الحالات وقعت الاعتداءات بالتزامن مع وجود قوات من الجيش الإسرائيلي، أو أمام جنود لم يتدخلوا لمنعها، معتبرة أن ذلك ساهم في ترسيخ نمط من التهجير القسري.
ولفتت المنظمة إلى أن الاعتداءات تستهدف بصورة متزايدة مصادر رزق الفلسطينيين وأمنهم الغذائي، من خلال منعهم من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وسرقة المواشي أو قتلها، إلى جانب تدمير المحاصيل الزراعية والحقول أو إحراقها.
وأضافت أن هذه الممارسات دفعت بعض السكان إلى بيع مواشيهم بخسائر مالية أو تحمل أعباء إضافية لتوفير الأعلاف لها، في ظل القيود المفروضة على وصولهم إلى أراضيهم ومصادر المياه.
وأكدت “هيومن رايتس ووتش” أن هذه الاعتداءات خلقت ما وصفته بـ**”بيئة قسرية”** دفعت العديد من الفلسطينيين إلى الاعتقاد بأن مغادرة منازلهم أصبحت الخيار الوحيد المتاح أمامهم، معتبرة أن عنف المستوطنين والتهجير الناتج عنه يشكلان جزءًا من منظومة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
واتهمت المنظمة السلطات الإسرائيلية بتوفير الدعم المالي والمادي والقانوني للمستوطنين المتورطين في الانتهاكات، مشيرة إلى تخصيص نحو 50 مليون شيقل للبؤر الاستيطانية، واستخدام جزء من هذه الأموال في شراء مركبات رباعية الدفع ونظارات للرؤية الليلية وطائرات مسيّرة تُستخدم في مضايقة الفلسطينيين.
كما اتهمت السلطات الإسرائيلية بالتقاعس عن التحقيق في اعتداءات المستوطنين وملاحقة المسؤولين عنها، معتبرة أن ذلك أسهم في تكريس حالة من الإفلات من العقاب، رغم الارتفاع الكبير في وتيرة الهجمات.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فإن عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للتهجير القسري نتيجة هجمات المستوطنين وعمليات الهدم والطرد خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 تجاوز إجمالي العدد المسجل خلال عام 2025 بأكمله.
كما وثقت الأمم المتحدة متوسط 6.6 هجمات للمستوطنين يوميًا خلال الفترة ذاتها، أسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما، وهو أعلى معدل سنوي تسجله المنظمة.
وأشارت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن البؤر الاستيطانية تستخدم في كثير من الأحيان كنقاط انطلاق لتنفيذ هجمات ضد الفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار الاستيلاء على مزيد من الأراضي.
ونقلت عن منظمة “السلام الآن” أن المستوطنين أقاموا 248 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية خلال فترة الحكومة الإسرائيلية الحالية، بينها 65 بؤرة منذ بداية عام 2026 وحتى الأول من أغسطس/آب.
وأضافت أن منظمات إسرائيلية أفادت في يوليو/تموز الماضي بأن هذه البؤر تسيطر فعليًا على أكثر من مليون دونم من الأراضي، بما يعادل نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، معتبرة أن ذلك يعكس توسع الاستيلاء على الأراضي بالتزامن مع تصاعد عنف المستوطنين.
واستعرضت المنظمة حالات وثقتها خلال تحقيقاتها، من بينها الاعتداءات في خربة حمصة بالأغوار الشمالية، والتي شملت سرقة المواشي وتدمير خزانات المياه ومصادر الطاقة، إلى جانب الهجمات المتكررة في المعرجات الشرقية التي دفعت سكانًا إلى مغادرة المنطقة.
كما وثقت اعتداءات في المغيّر وقريوت أسفرت عن استشهاد فلسطينيين وإصابة آخرين، فضلًا عن تدمير ممتلكات وأراضٍ زراعية.
وقالت المنظمة إن عدد القضايا التي فتحتها الشرطة الإسرائيلية ضد مستوطنين متهمين بمهاجمة الفلسطينيين انخفض بنسبة 70% منذ تولي إيتمار بن غفير منصب وزير الأمن القومي عام 2022، رغم تصاعد الهجمات.
وأضافت أن إسرائيليًا واحدًا فقط وُجهت إليه تهمة قتل فلسطيني في الضفة الغربية منذ عام 2019، مشيرة إلى أن بن غفير خفف شروط الحصول على تراخيص الأسلحة النارية، وشارك شخصيًا في بعض الحالات في توزيع الأسلحة على المستوطنين.
وأكدت المنظمة أن الاعتداءات لم تقتصر على العنف الجسدي، بل شملت هدم المنازل وتدمير البنية التحتية وسرقة المواشي والمحاصيل، فضلًا عن منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ما أدى في بعض الحالات إلى مغادرة عائلات وتجمعات بأكملها.
وحذرت “هيومن رايتس ووتش” من أن استمرار عنف المستوطنين بالتوازي مع التوسع الاستيطاني وغياب المحاسبة قد يؤدي إلى ترسيخ واقع التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
ودعت المنظمة الدول إلى اتخاذ خطوات لمنع المزيد من الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل فرض عقوبات موجهة على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وتعليق نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات، والنظر في تعليق اتفاقيات التجارة التفضيلية مع إسرائيل.
كما طالبت بدعم المحكمة الجنائية الدولية وتحقيقاتها، وتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عنها، مؤكدة أن المساءلة يجب ألا تقتصر على المستوطنين المنفذين للهجمات، بل ينبغي أن تشمل أيضًا الجهات التي توفر لهم التمويل والدعم والحماية.